سهل

الشمول المالي: التحديات والفرص في الأردن

سهل العنابي*

لا مجال للنقاش في أن الخطوات التي قام بها البنك المركزي الأردني في مجال الشمول المالي “Financial Inclusion” هي خطوات رائدة ومميزة وتعكس رؤية محترفة من خلال فهم السوق وقدرات المؤسسات العاملة وقدرات ومستوى العاملين.
وقام البنك المركزي الأردني منذ بداية هذا العام، بإدخال مواد الثقافة المالية إلى المناهج التعليمية وتم تأهيل معلمين بحسب خطة طويلة الأمد حتى تغطي كافة الصفوف والمستويات لاحقا بالإضافة إلى أنه تم تحديد فريق عمل لتطوير استراتيجية من العام القادم لتوسيع قاعدة المتعاملين مع المؤسسات المالية من خلال بناء التشريعات الناظمة وتطبيق وتمكين انظمة المدفوعات الالكترونية التي ستؤدي بالنهاية لخدمة المتعامل.
في المقابل؛ من المهم التنويه وإبراز التحديات التي تواجه أوستواجه الجهود والمبادرات المرتبطة بالشمول المالي وسعي البنك المركزي لتوسيع قاعدة المشاركة المالية بالاضافة الى تحسين مستوى الخدمات والوصول الى كل شخص مؤهل للتعامل مع المؤسسات المالية.
وبالرغم من قوة القطاع المصرفي والمالي في الاردن وتطوره ومتانته؛ إلا أن هناك ما يزيد على 70 % من المواطنين المؤهلين في الاردن لا يتعاملون مع المؤسسات المالية بالرغم من قوة هذا القطاع وانتشاره في المدن الرئيسية وكذلك وجود بنية تحتية ممتازة تمكن المواطن والبنوك من التنقل والوصول الى الآخر سواء من خلال الفروع التقليدية أو من خلال القنوات الإلكترونية. وبناء عليه؛ كان من الضروري الاهتمام بقضية الشمول المالي لما لها من أثر على الاقتصاد وتحسين مستوى معيشة المواطن وصولا الى توفير فرص عمل وزيادة الدخل من خلال توفير برامج تمويل مناسبة للافراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
الشمول المالي يرتكز على الدور المحوري للمؤسسات المالية غير المصرفية Non Banking Financial Institutions للوصول الى الفئات المستهدفة من غير المتعاملين مع البنوك؛ مثل هذه المؤسسات شركات التمويل وشركات التمويل متناهي الصغر وشركات الصرافة والتأجير التمويلي والتأمين بالإضافة الى دور مؤسسات تنمية المجتمع والجمعيات والبريد وشركات الاتصالات وغيرها في تأهيل وتوفير موارد مالية للفئات غير المخدومة مصرفيا أو من خلال البنوك.
الدور الاكبر والاهم هو لشركات التمويل متناهي الصغر Micro Finance Institutions كونها تستهدف شرائح لا تهتم بها البنوك وايضا تتحمل مخاطر ولا تتطلب شروطا شديدة يمكن لهذه الفئات من المجتمع توفيرها.
قام البنك المركزي بإصدار نظام شركات التمويل الاصغر في عام 2015 مما يساعده في تنظيم عمل هذا القطاع المهم والمتنامي بشكل سريع والذي يعتبر لاعبا أساسيا في جهود الشمول المالي والتنمية الاقتصادية.
بالرغم من ان النظام يتماشي مع واقع وقدرة قطاع التمويل متناهي الصغر في الاردن من ناحية موارد وقدرات هذه الشركات المحدودة، الا انه يفتقر الى عنصر مهم وهو السماح لوجود شركات تمويل متناهية الصغر تقبل الودائع Deposit Taking Micro Finance Institutions ضمن أسس ومحددات وشروط للسيطرة على المخاطر بالاضافة الى تحديد القيمة المضافة من هذه الشركات للمتعاملين في هذا القطاع مثل تقليل كلفة الاقتراض.
من المهم الاشارة الى ان توجه البنك المركزي على المدى القصير بعدم السماح لشركات التمويل متناهية الصغر بقبول الودائع أنه صحيح ومهم لعدة اسباب أولها؛ حجم رأس المال وكذلك قدرات الشركة والعاملين بها إذ أنها بحاجة الى الكثير من البناء والتطوير. إلا أنه من المهم على المدى المتوسط والطويل تفعيل قبول الودائع متناهية الصغر كونها المحرك الرئيسي في توسيع قاعدة المشاركين أوالشمول المالي.
بالاضافة الى انها عامل اساسي في تخفيض كلفة الاموال على المقترضين من هذه الشركات كون كلفة الاموال مرتفعة بسبب ارتفاع كلفة مصادرها من خلال الاقتراض من البنوك لتلبية حاجات السوق.
بناء عليه؛ إن قبول الودائع سيوفر مصادر اموال بكلفة اقل وبالتالي انخفاضها على المستفيد النهائي.
وحتى نتمكن من تطوير هذه الشركات القابلة للودائع يجب ان يتم تطوير القوانين الحاكمة لتتماشي مع التطورات وتحمي المودعين والاقتصاد.
ويمكن ذلك من خلال عدة خطوات؛ رفع متطلب رأس مال شركات التمويل متناهي الصغر (الاصغر) ليكون اكثر من الشركات المانحة للقروض فقط؛ تحديد سقف اعلى للودائع المقبولة للعميل الواحد بمعنى ان الحد الاقصى لوديعة العميل الواحد هي مثلا 1000 دينار؛ شمول هذه الودائع بمظلة ضمان الودائع؛ تحديد سقف الاقراض وربطه بحجم ودائع الشركة.
من التحديات الأخرى التي يجب الوقوف عندها والعمل على تجاوزها هو بناء المعرفة والثقافة المالية للعملاء.
فالثقافة المالية هي مفهوم جديد يجب ان نعمل على بنائه في البيت والمدرسة والجامعة والعمل.
وللأسف ؛ المدارس والجامعات لا تهتم بهذا المفهوم وحتى خريجو البرامج والدراسات المصرفية لا يعرفون مبادئ التخطيط المالي الشخصي والثقافة المالية والاستثمار؛ وعليه الأخطاء المالية تتكرر وتتراكم يوما بعد يوم.
بالإضافة إلى ذلك ؛ هناك ضعف واضح في مستوى العاملين في قطاع التمويل متناهي الصغر.
وعليه؛ من المهم بناء قدرات العاملين في هذا القطاع سواء بناء المعرفة المالية والتمويلية أومهارات التعامل مع العملاء.
كما من المهم بناء قدرات الشركة نفسها من خلال تزويدها بالانظمة التمويلية وانظمة التحليل الائتماني وادارة المخاطر وغيرها من الانظمة والبرامج التي ستمكن الشركات من العمل في بيئة آمنة وتنافسية.
من المهم الوصول الى اكبر شريحة من المتعاملين المرتقبين من خلال تقديم قنوات الكترونية تستهدف فئات محددة مثل الشباب والرياديين والسيدات مما يوسع المشاركة ويعمم الفائدة على اكبر قطاعات ممكنة من المجتمع.
وكذلك بناء شراكات مع مؤسسات وقنوات توزيع محتملة تصل من خلال فروعها الى اكبر شريحة مثل البريد ونقاط بيع وخدمة شركات الاتصالات والجمعيات التعاونية والبلديات لتكون مرافق ونقاط توزيع وخدمة للشرائح المستهدفة وغير المخدومة من البنوك.
كما أنه لا بد من تقديم منتجات جديدة مثل الادخار والودائع متناهية الصغر والحوالات وخدمات الدفع والتأمين متناهي الصغر وغيرها.
بالنهاية؛ على جهود الشمول المالي ان تستهدف الافراد والشركات الصغيرة والمتوسطة غير المخدومة من القطاع المصرفي والتي من شأنها زيادة نسبة الحصول على التمويل Access to Finance وذلك في المكان والزمان المناسبين والاهم بالكلفة المعقولة ضمن المخاطر المقبولة للوصول الحقيقي الى خلق فرص عمل وتحسين المستوى المعيشي للافراد.

Share on FacebookShare on LinkedInTweet about this on TwitterPrint this pageEmail this to someone

شاهد أيضاً

البنك المركزي

خبراء: رفع الفائدة يواجه الزيادة المطردة في التضخم

في ظل الزيادة الملحوظة بمعدلات التضخم الأخيرة يحاول البنك المركزي الأردني محاربتها برفع سعر الفائدة …

تعليق واحد

  1. This is great blog, I will certainly be back.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *