القطاع الصناعي

القطاع الصناعي في رؤية الأردن 2025: التصميم والنتائج المتوقعة

د. جمال الحمصي*

تشكل “رؤية الأردن 2025” جهداً وطنياً مهما، وفرصة واعدة لتنفيذ رؤية تنموية وتطبيق اطار عام شفاف ومتناسق وطويل المدى للتوجهات الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن.
والهدف النهائي هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية السريعة والمستدامة والتشاركية.
يهدف هذا المقال ليس إلى تقييم رؤية الأردن 2025 بشكل عام، وإنما إلى إجراء تقييم أولي مسبق لدور الرؤية في تحقيق التنمية الصناعية (Ex-Ante Assessment)، وتحديداً تقييم المساهمة المتوقعة للرؤية في إحداث نقلة نوعية في قطاع الصناعات التحويلية والتعامل مع معوقات نموه المستدام والسريع.
هذا أمر حيوي في ضوء حجم وأداء قطاع الصناعات التحويلية، علماً بأن نمو هذا القطاع تباطأ خلال السنوات الخمسة الماضية بسرعة تفوق تباطؤ الاقتصاد الوطني ككل ليصل نمو قطاع الصناعات التحويلية إلى 2.3 % كمتوسط سنوي خلال الفترة 2009-2014 مقابل نمو للاقتصاد الوطني ككل بلغ نحو 3 % في المتوسط.
ورغم أهمية هذا التقييم الأولي، الذي يُعد لأول مرة، فإن إجراء دراسة متعمقة لأثر الرؤية المتوقع على أداء القطاع الصناعي هو تمرين “استراتيجي” ولا يستطيع مقال واحد أن يفي بهذه الغاية.
يشكل قطاع الصناعات التحويلية في الاقتصاد الأردني نحو 20 % من الناتج المحلي الاجمالي، أي خمس حجم الاقتصاد الأردني.
وهو فعلياً القطاع الثاني من حيث الحجم بعد قطاع “الخدمات المالية والعقارية والأعمال” بمعيار القيمة المضافة.
هذا الوزن الكبير نسبياً لقطاع الصناعة التحويلية يمنحه أهمية خاصة في توجهات السياسة الاقتصادية العامة، أو هكذا يفترض أن يكون الحال. سيما وأن الحصة النسبية لهذا القطاع هي مؤشر وجيه لتوفر “مزايا نسبية” قائمة وفعلية في القطاع، يمكن دعمها بـ “مزايا تنافسية” واعدة ومستقبلية من خلال التدخل الحكومي الاستراتيجي أو ما يعرف بالسياسة الصناعية الوطنية.
كما ينبغي التذكير بما يتمتع به القطاع المذكور من خصائص إيجابية من حيث قابلية منتجاته للتصدير ودعم الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وترابطه الوثيق بالاقتصاد القائم على المعرفة من خلال مساهمة الصناعات التحويلية ذات التقنية العالية كالأدوية والصناعات الكيماوية والهندسية.
وبالتالي وجود إمكانيات واعدة لتوفير فرص عمل باجور عالية للأردنيين المؤهلين.
وحسب ما جاء في وثيقة رؤية الأردن 2025، وفي ضوء هيمنة قطاع الخدمات على الاقتصاد الأردني، تتطلع الرؤية صراحة إلى زيادة مساهمة القطاعات السلعية كالصناعات التحويلية والزراعة في الناتج المحلي الاجمالي، لما لهذه القطاعات من أهمية في تنويع مصادر الدخل وإيجاد فرص العمل (ص38 من النسخة العربية للرؤية). بل إن الرؤية جسدت هذا الهدف النوعي المهم بوضع “مؤشر أداء” رقمي ومستهدف يتم بموجبه زيادة حصة قطاع الصناعة (بشقيه التحويلي والاستخراجي) من 22.4 % حالياً إلى 27.4 % عام 2025 (ص50)، أي بواقع خمس نقاط مئوية للسنوات العشر المقبلة.
وهذا يشكل تحدياً في ضوء معوقات الحاضر وأداء الماضي القريب؛ اذ يتطلب نمواً صناعياً يفوق 6 % في المتوسط حسب السيناريو المستهدف (مقابل نحو 2 % تحقق فعلاً في العامين الماضيين).
هذا ويمكن تقسيم الأثر المتوقع للرؤية في تشكيل الأداء المستقبلي لقطاع الصناعات التحويلية من خلال قناتين رئيسيتين: المبادرات والتوصيات “العمودية” من ناحية، والمبادرات والسياسات “الافقية” من ناحية أخرى. الأولى تختص بالقطاعات والعناقيد المستهدفة ذات الأولوية، والثانية تستهدف قطاع الصناعات التحويلية ككل (سنطلق عليها مبادرات مباشرة) أو الاقتصاد ككل (سنسميها مبادرات غير مباشرة).
بداية، من اللافت للانتباه ان القطاعات والعناقيد المختارة والبالغة تسعة قطاعات أو عناقيد، والتي تشكل موقع تركّز الجهود الوطنية المبذولة لتحسين النمو والتنافسية، هي عناقيد خدمية عموماً. يستثنى من ذلك صناعتين على الأكثر هما: الصناعة الدوائية ضمن عنقود علوم الحياة والصناعة الهندسية الدفاعية في اطار عنقود الإنشاءات والهندسة. وفي ضوء محدودية حجم الصناعتين المذكورتين، ومحدودية المبادرات ذات الأولوية المخصصة لهما، فإن ذلك غير كاف بالتأكيد لتحقيق الانطلاقة والدفعة القوية المتوخاة في النمو الصناعي الشامل والمستدام في ضوء التحديات الماثلة.
ورغم ضعف المكون العمودي أو الانتقائي للرؤية في القطاع الصناعي، لكن ليس من العدل تجاهل تأثير “المبادرات الافقية” التي ستخدم –اذا ما نفذت- قطاع الصناعات التحويلية ككل، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة (ص 61-62 و ص91، 94، 97) .
هذه المبادرات الافقية العامة تشمل مبادرات صناعية مباشرة، كتحديث وثيقة السياسة الصناعية الوطنية، ومراجعة التشريعات ذات الصلة بالقطاع الصناعي بما فيها قانون حماية الانتاج الوطني، وتوفير التمويل الصناعي، وتطوير المكون التكنولوجي في المنتج الصناعي، وتفعيل برنامج الترابطات الصناعية، وتشجيع الطاقة الصناعية المتجددة، وتوفير الدعم الفني والمالي للشركات الصناعية المبتكرة، وفتح أسواق جديدة للمنتجات الأردنية.
وتشمل التوصيات الأفقية أيضاً مبادرات مهمة غير مباشرة، وأبرزها تحسين بيئة أعمال الشركات، وتعزيز سياسة المنافسة الوطنية، وتكثيف مبادرات تعزيز تنافسية المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
لكن يعيب على المبادرات الافقية غير المباشرة أنها بطبيعتها تغطي العديد من القطاعات الخدمية والسلعية ويمكن ان لا تتوفر الموارد والامكانات الحكومية اللازمة لايصال الاثر المتوخى إلى كافة القطاعات بخصوصياتها المتباينة، وبالتالي تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة في قطاع الصناعة.
هذه المبادرات الافقية المباشرة وغير المباشرة تعتبر مهمة من حيث المبدأ، لكن يبقى التنفيذ وآلياته مرهوناً بمجموعة من العوامل، كتوفر موارد التمويل وفاعلية الاطار المؤسسي المنفذ ودرجة الشراكة والتعاون مع القطاع الصناعي الخاص سواء بشكل مباشر أو من خلال ممثلي القطاع (غرف الصناعة).
من ناحية أخرى، فان هذه المبادرات الواردة في الرؤية تفتقد إلى ابتكارات وتطويرات مؤسسية رئيسية (ربما باستثناء مبادرة تعزيز قدرات هيئة الاستثمار الأردنية)، وتفتقد إلى ترتيب لأولويات الاصلاح، وكذلك لا يتوافر ادارة فاعلة لمخاطر التنفيذ. وقد تشكل هذه المحددات فرصاً للخطط التنفيذية التنموية المعدة من قبل وزارة التخطيط كل ثلاث سنوات، بشرط أن لا تكتفي الوزارة بدور “متلقي السياسة” وأن تبادر بدور “صانع السياسة”.
وعادة ما يتم التأكيد على دور المؤسسة الأردنية لتطوير المشاريع الاقتصادية باعتبارها الجهة التنفيذية الرئيسية لتطوير التنافسية الصناعية للمنشآت القائمة والمبتدئة، لكن من الضروري التخطيط بواقعية. فعدد المنشآت الصناعية التي استفادت مثلاً من برنامج دعم الصناعة الثاني الذي تنفذه المؤسسة لا يتجاوز 100 مشروع صناعي في عام 2013 مقابل عدد اجمالي للمنشأت الصناعية في المملكة يتجاوز 22 ألف منشأة (من مختلف الأحجام) حسب المسح الصناعي الذي تنفذه دائرة الاحصاءات العامة. وحتى مع الأخذ بالاعتبار مختلف برامج المؤسسة القائمة والمخططة، فان نسبة محدودة من اجمالي أعداد المنشأت الصناعية ستحصل على خدمات الدعم الفني والمالي لتطوير المشاريع الصناعية من قبل المؤسسة في المستقبل القريب، مما يظهر الحاجة لمزيد من الدعم الدولي لقطاع الصناعة.
في ضوء كل ما سبق، فان تحقيق هدف “التحول الهيكلي” في الاقتصاد الأردني لصالح قطاع الصناعة في وثيقة الرؤية يتطلب نموذج جديد للحوكمة الصناعية، والاستفادة من تجارب ودروس الماضي في مجال السياسة الصناعية، وتوافر دعم أكبر وأفضل من قبل الجهات الدولية المانحة، بما فيها “اليونيدو” والاتحاد الاوروبي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
هذا يقتضي نقلة نوعية في آليات التنفيذ والتنسيق الصناعي، وتطوير مؤسسي ملموس لدى مختلف الجهات المعنية بقطاع الصناعة في القطاعين العام والخاص معاً، وبالشراكة فيما بينهما، مع تقديم دعم مالي دولي استثنائي لمواجهة الصدمات الخارجية.
*خبير اقتصادي

الغد

Share on FacebookShare on LinkedInTweet about this on TwitterPrint this pageEmail this to someone

شاهد أيضاً

البنك المركزي

خبراء: رفع الفائدة يواجه الزيادة المطردة في التضخم

في ظل الزيادة الملحوظة بمعدلات التضخم الأخيرة يحاول البنك المركزي الأردني محاربتها برفع سعر الفائدة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *